لو أحببت المدرسة، أكيد سيكون الوضع اليوم مختلفا



إنه صباح يوم الخميس. بالأمس كان 'نص النهار' وأمضيت الوقت في اللعب مع الأصدقاء قرب الطريق حيث ذهبت هناك لانتظار جدي الذي سيعود من السوق الأسبوعي في 'الفيلاج' حيث عادة ما أحضر له الدابة التي سيحمل عليها المشتريات من الخضر و الفواكه، و كنا نقضي نحن الأطفال الوقت هناك في انتظار المتسوقين من القرية، ونعد السيارات التي تمر و نأخذ ببراءة 'الإتاوات' من المتسوقين من الحمص أو "الكلية" أو حبة برتقال أو مشمش أو أي فاكهة حسب فصول السنة.
الساعة تشير إلى السابعة صباحا. البرد قارس بالخارج. جلست قرب مجمر أدفئ يدي الصغيرتان التي تعلوهما طفحات سوداء من البرد. تصب أمي الشاي و أنا منهمك في أخذ الفطور وأغمس الخبز في الزيت، يكاد قلبي ينفجر من الهلع و أنا أتخيل نفسي أرفع اللوحة و أسمع 'أنت اللور'. إنها العبارة الأكثر رعبا في صفوف تلاميذ القسم الخامس و السادس ابتدائي الذين يتابعون دراستهم عند 'علي المعلم' أو عند 'السي علي' كما كنا نناديه بحضرته أو عند الضرورة. إنه يوم 'الكونجوكيزون' و لم أراجع جيدا، أو فقط من فرط الخوف بدأت أنسى ما كنت قد حفظته.
بعد أن غيرت ملابسي، أصبح لزاما أن أسرع أكثر لأن الوقت أصبح يتأخر، و كنت أذهب إلى المدرسة باكرا بعض الشيء خصوصا يوم الخميس ليس لأني أحب المدرسة ولكن لكي أراجع رفقة التلاميذ قبلا و خوفا من أن أتأخر و أصبح من الهالكين. حملت الحقيبة فوق ظهري، و دفتر 'الكوجوكيزون' في يدي. أسرع الخطى و أنا لا أتوقف عن الإستظهار. 'جو مونج، تو مونج، إيل مونج...'، 'جو مونجوغي، تو مونجوغا، إيل مونجوغا...'. أتمنى أن لا آكلها هذا الصباح. التقينا قرب المدرسة و أصبحنا نتبادل الأسئلة المملة التي نعيدها تقريبا كل يوم خميس. 'كونجوك موا لو فيغب....ا لامباخفي' أو 'كيل أي لي تيغمينيزون دو تروازيام بيخسون دو سانكوليي ا لامباخفي'. تتعالى الأصوات، كل يريد أن يظهر مدى استظهاره، و يعطي نفسه بعض الإحساس بالثقة. فجأة سمعنا التصفيق، إنه إعلان الدخول إلى القسم بالنسبة للمعلم، و بالنسبة لنا إعلان الرعب، إنه صباح الجحيم.
دخلنا القسم و وجوهنا شاحبة، بالكاد نتنفس من شدة الفزع، نراقب حركات و سكنات "السي علي"، و نراقب إن كان يبتسم و في مزاج جيد كي يرأف بنا اليوم. يجلس فوق المكتب، و يتيه بين بعض الأوراق. بعد برهة نسمع الإعلان الذي كان الجميع ينتظره "خذوا الألواح" و يهم وقوفا. يا إلهي، دقت ساعة العمل. حتى عدد التلاميذ لم يكن كبيرا كي نلعب لعبة التختفي في الطاولات الخلفية. كنا فقط 8 تلاميذ في القسم السادس و 10 في القسم الخامس.
تتوالى الأسئلة، و كل مرة أرفع فيها اللوحة أتمنى أن لا أكون قد وقعت في غلط ما رغم أني كنت متأكدا من الأجوبة ذلك اليوم. كل من أخطئ يعود إلى مؤخرة القسم، و ينتظر الحصة التعذيبية التي سيأخذ فيها ما تيسر من ضربات تحت الأرجل بعد أن ينتهي اختبار الآخرين جيدا، و أحيانا تحس و كأنه ليس اختبارا بل تربص و نصب فخاخ كي تقع و تلتحق بزملائك. الحمد لله، أجبت جيدا و كنت من الناجين. التحق بعدها "السي علي" بمؤخرة القسم حاملا معه أسلحته. إنه قضبان من أغصان شجرة الزيتون. تعم الفوضى و يتعالى الصراخ و طلبات المغفرة و الصفح "إربي أنعماس" "أوا عافاك". كل من يمر قرب المدرسة خلال تلك الجلسات العقابية أو التعذيبية، سيخال أنه مار جنب مركز أمن يعاقب فيها المجرمون لانتزاع اعترافاتهم.
بعد انتهاء الحصة التعذيبية، يعود المحكوم عليهم إلى أماكنهم يضعون أرجلهم الحافية فوق الأرضية الباردة بعض الوقت كي تمتص بعض الألم من أرجلهم التي احمرت من الضرب. الآن و قد تخلص "السي علي" من مزاجه السيئ بعد المعركة التي خاضها بكل ما أوتي من قوة ضد بعض التلاميذ المغلوب على أمرهم، يعود منتشيا بفوزه إلى مكتبه مزهوا بنصره كأي محارب يعود منتصرا من ساحة الوغى. الآن يمكن أن ينشر بعض نكاته السخيفة و الإبتسامة تعلو وجهه، و نضطر
معها للضحك مرغمين أن نظهر السعادة المزيفة. نضحك رغم الهلع الذي يتملكنا و البؤس الذي يدب فينا خوفا من سلطته التي لا يتوانى في استعمالها ضد كل من سولت له نفسه أن يبدي الحزن. لم يكن لنا الحق حتى في فترة حزن بعد العقاب.
يمكن الآن أن نمر إلى درس الرياضيات أو القراءة أو أي درس مادة أخرى و ننتظر منتصف النهار، نعد الدقائق التى تمر متثاقلة كأنها أيام. بعد أن تنقضي مدة الحصة، ليس فقط حصة الدرس و التعلم بل حصة كل شيء من عقاب و تعذيب و ترهيب ودفن لكرامة التلميذ و الإنسان، كباقي الزملاء خرجت من القسم مسرعا كأي سجين انقضت مدة عقوبته و يريد أن يستمتع بطعم الحرية. إلا أننا نحن التلاميذ لدينا موعد في اليوم الوالي و الذي يليه و الشهر الموالي و الذي بعده إلى أن تنقضي السنة الدراسية.
غادرت في اتجاه المنزل و الجوع يخز معدتي. كلما اتجهت نحو المنزل إلا و نشطت الدورة الدموية و أحسست ببعض الطمأنينة عكس إن كانت الوجهة المدرسة، التي لم أحبها قط، بل كنت أذهب إليها مكرها، خوفا من دكتاتورية المعلم و الأب. لو أحببت المدرسة، أكيد سيكون الوضع اليوم مختلفا.


هل أعجبك الموضوع ؟

Aucun commentaire :

Enregistrer un commentaire

كافة الحقوق محفوظة 2013 ©